حين نتحدث عن الملك فيصل بن عبدالعزيز، فنحن لا نتحدث فقط عن ملك قاد المملكة العربية السعودية، بل عن شخصية كان لها حضور واضح في قضايا العالم العربي خلال مرحلة مليئة بالتحولات والتحديات.

يرى إبراهيم الشريقي في بحثه «رجل العرب في القرن العشرين» أن دور الملك فيصل تجاوز حدود المملكة، وأن سياسته أسهمت في تعزيز التضامن والعمل العربي المشترك.

فما الذي جعل الملك فيصل يحتل هذه المكانة في التاريخ العربي الحديث؟

من التفكك إلى التضامن

ينظر البحث إلى التاريخ العربي الحديث من خلال حدثين رئيسيين: توحيد الجزيرة العربية على يد الملك عبدالعزيز آل سعود، ثم الدور الذي قام به الملك فيصل خلال الستينات في مواجهة التيارات والقوى التي اجتاحت العالم العربي.

وبحسب الكاتب، لم يكن الأهم في تلك المرحلة مواجهة هذه التيارات فحسب، بل ما تبع ذلك من تحول نحو التضامن والعمل العربي المشترك.

وهنا برز دور المملكة العربية السعودية، ودور الملك فيصل في التعامل مع القضايا التي كانت تشغل المنطقة.

فلسطين.. القضية التي رافقت فيصل

تحتل القضية الفلسطينية مساحة أساسية في الحديث عن الملك فيصل.

فقد عايش القضية منذ ظهورها، وكان مدركًا لأبعاد الخطر الذي يمثله الاحتلال الإسرائيلي على المنطقة، ولم ينظر إلى فلسطين باعتبارها قضية منفصلة عن بقية العالم العربي.

ولهذا كانت استعادة الحقوق العربية وإنهاء الاحتلال حاضرة في تحركاته وحواراته السياسية.

ولم يقتصر موقفه على إعلان الدعم، بل سعى إلى نقل القضية والموقف العربي إلى الحوار المباشر مع القوى الغربية، ومحاولة التأثير في نظرتها تجاه المنطقة.

التضامن قوة سياسية

من الأفكار التي يبرزها البحث أن التضامن لم يكن مجرد شعار سياسي، بل تحول إلى عنصر قوة.

ويرى الكاتب أن ما حققه العرب في السبعينات من انتصارات سياسية ومعنوية وصمود ارتبط بقوة الإخاء والتضامن، إلى جانب الثقل الذي وفره البترول.

هذا الجمع بين الموقف السياسي والقوة الاقتصادية عزز مكانة العرب ومنحهم وزنًا سياسيًا واقتصاديًا أكبر في المجتمع الدولي.

وفي تجربة الملك فيصل تظهر فكرة واضحة: امتلاك عناصر القوة لا يكفي وحده، بل الأهم هو كيفية توظيفها والعمل المشترك من خلالها.

الحوار بدل القطيعة

قد يكون الجانب الاقتصادي من أشهر ما ارتبط بتلك المرحلة، لكن البحث يلفت الانتباه إلى أداة أخرى اعتمد عليها الملك فيصل بوضوح: الحوار.

كان يرى في الحوار السياسي رفيع المستوى وسيلة لتصحيح الأفكار والأحكام الخاطئة، خصوصًا عندما يقوم على المعرفة والقدرة على الإقناع.

وهذا ما حاول تطبيقه في تعامله مع العالم الغربي.

فبدل الاكتفاء برفض المواقف الغربية، دخل في حوار معها، موضحًا المصالح المشتركة بينها وبين العالم العربي، وفي الوقت نفسه ناقلًا الموقف العربي تجاه الاحتلال والحقوق العربية.

حين خاطب فيصل الغرب بلغته

يشير البحث إلى أن الملك فيصل استطاع من خلال حواره السياسي الوصول إلى فرنسا، ثم المجموعة الأوروبية والولايات المتحدة، محاولًا إقناعها بأن مصالح العالم الغربي مع العالم العربي مصالح حيوية، وأن العرب لا يطالبون الغرب إلا بدعم الحق ومساندتهم في استعادة حقوقهم وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية.

وهذا يكشف أن سياسة فيصل تجاه الغرب لم تكن قائمة على القطيعة.

كان الخلاف في المواقف واضحًا، لكنه لم يمنع استمرار الحوار ومحاولة تغيير تلك المواقف بالسياسة والإقناع.

ولهذا يصفه الكاتب بأنه كان رائدًا للحوار البنّاء مع العالم الغربي.

قوة السياسة وقوة الاقتصاد

يقدم البحث صورة لمرحلة بدأ فيها العالم العربي يفرض حضوره بصورة مختلفة.

فإلى جانب التضامن، ظهر الثقل الاقتصادي عنصرًا مهمًا في العلاقات الدولية، وأصبح للعرب وزن سياسي واقتصادي أكبر.

وفي قلب هذه التحولات يضع الكاتب الدور الذي لعبته المملكة بقيادة الملك فيصل.

لم تكن المسألة أن الاقتصاد يحل محل السياسة، أو أن الحوار يغني عن عناصر القوة الأخرى. ما أعطى تلك المرحلة تأثيرها هو اجتماع أكثر من عنصر في وقت واحد: التضامن والثقل الاقتصادي والحوار السياسي.

لماذا بقي اسم فيصل حاضرًا؟

الصورة التي يقدمها البحث للملك فيصل لا تقوم على موقف واحد، بل على أسلوبه في التعامل مع القضايا العربية والعالم من حوله.

جعل التضامن جزءًا من القوة العربية، وأدرك أهمية الثقل الاقتصادي، وفي الوقت نفسه لم يتخلَّ عن الحوار السياسي حتى مع الدول التي اختلف معها في قضايا أساسية.

وظلت فلسطين حاضرة في رؤيته وتحركاته، وسعى إلى إيصال الموقف العربي بشأنها إلى القوى المؤثرة في العالم.

ويرى الكاتب أن نجاح استراتيجية الملك فيصل في التعامل مع الغرب لم يكن أمرًا عابرًا، بل كان انعكاسًا لبعد نظره وحكمته وقدرته على الحوار والإقناع.

ومن هنا يمكن فهم كيف أصبح الملك فيصل صوتًا مؤثرًا للعرب في العالم.

لم يعتمد على أداة واحدة، بل جمع بين التضامن والقوة الاقتصادية والحوار السياسي والتمسك بالقضايا العربية.

وهذه هي الصورة التي يقدمها بحث «رجل العرب في القرن العشرين» عن الملك فيصل ودوره في واحدة من أبرز مراحل التاريخ العربي الحديث.

المصدر

إبراهيم الشريقي، «رجل العرب في القرن العشرين»، مجلة الدارة، دارة الملك عبدالعزيز.

http://darahjournal.org.sa/Details.php?mag_no=3&article_no=8