
عند الحديث عن مشروع الاستثمار والتخصيص للأندية الرياضية في السعودية، قد تبدو البداية وكأنها كانت مع إعلان المشروع وانتقال ملكية عدد من الأندية. لكن ما تعرضه وزارة الرياضة يعيد البداية إلى عدة سنوات قبل ذلك.
فالوزارة تصف مشروع الاستثمار والتخصيص بأنه ليس وليد اللحظة، بل نتيجة خطط ومبادرات سبقته، من أبرزها استراتيجية دعم الأندية الرياضية التي بدأت عام 2019.
وخلال تلك المرحلة لم يكن التركيز على زيادة الدعم المالي فقط، بل على طريقة عمل الأندية نفسها: الحوكمة والاستدامة المالية والإدارة والبنية التحتية وتجربة الجماهير وزيادة ممارسة الرياضة.
هذه الخطوات هي التي سبقت انتقال الأندية إلى مرحلة الاستثمار والتخصيص.

البداية كانت في 2019
أطلقت استراتيجية دعم الأندية الرياضية عام 2019، وركزت على تهيئة الأندية للعمل بصورة أكثر احترافية.
كان تطبيق معايير الحوكمة أحد محاورها الأساسية، إلى جانب تطوير الأندية بما يساعدها على الاستدامة ماليًا وإداريًا وتشغيليًا.
كما استهدفت تطوير بيئة العمل داخل الأندية، ورفع مستوى الأداء، وتوفير فرص وظيفية وتحسين تجربة الجماهير.
لم يكن الهدف إذن مجرد دعم النادي ليستمر في نشاطه، بل بناء كيان أكثر تنظيمًا وقدرة على إدارة موارده.
وهذا مهم لفهم ما جاء لاحقًا، لأن دخول المستثمر يحتاج إلى بيئة تختلف عن نموذج النادي الذي يعتمد بصورة أساسية على الدعم المباشر.
الإيرادات بدأت تتغير
من أبرز المؤشرات التي تعرضها وزارة الرياضة التغير في إيرادات الأندية.
ففي موسم 2019-2020 بلغت الإيرادات نحو 88 مليون ريال، ثم ارتفعت في موسم 2022-2023 إلى 328 مليون ريال.
جاء هذا الارتفاع خلال فترة تطبيق استراتيجية دعم الأندية، التي كان تطوير الإيرادات والاستدامة المالية جزءًا منها.
وفي الوقت نفسه، عملت الوزارة على تنظيم الجانب المالي من خلال الأنظمة واللوائح المرتبطة بالكفاءة المالية والحوكمة، بهدف تحسين إدارة الأندية لالتزاماتها المالية.
وتذكر الوزارة أن 89% من أندية دوري المحترفين تمكنت من الحصول على شهادة الكفاءة المالية.
لذلك لم تعد المسألة مرتبطة بحجم الأموال التي تدخل النادي فقط، بل بكيفية إدارتها والوفاء بالالتزامات المالية.
الحوكمة تتوسع بين الأندية
أحد التغيرات اللافتة خلال هذه المرحلة كان توسع تطبيق الحوكمة.
فعدد الأندية المستفيدة من مكافآت الحوكمة المالية والإدارية ارتفع من 16 ناديًا في موسم 2019-2020 إلى 61 ناديًا في موسم 2022-2023.
وهذا يعني أن المعايير الإدارية والمالية لم تعد مقتصرة على مجموعة محدودة من الأندية، بل امتدت إلى عدد أكبر منها.
ورافق ذلك نمو في أعداد العاملين، ليصل عدد الموظفين والموظفات داخل الأندية إلى أكثر من 3 آلاف.
وهنا يظهر تحول مهم سبق التخصيص: أن يصبح النادي جهة لديها إدارة وموظفون وأنظمة ومعايير أداء، بدل أن يتركز عمله على الفرق الرياضية فقط.
تطوير منشآت الأندية
لم تقتصر الاستراتيجية على الجوانب المالية والإدارية، بل شملت أيضًا البنية التحتية للمنشآت الرياضية.
وبحسب وزارة الرياضة، دخلت ثلاث منشآت في عمليات تطوير شامل، وهي منشآت أندية:
الفتح، والاتفاق، والشباب.
كما انتهى التطوير الجزئي لتسع منشآت رياضية، وهي منشآت:
الاتحاد، والنصر، والهلال، والأهلي، والقادسية، والباطن، والتعاون، وضمك، والرائد.
والاهتمام بالمنشآت جزء طبيعي من التوجه نحو الاستثمار. فالنادي لا يقدم فريقًا رياضيًا فقط، بل يمتلك مرافق ويستقبل جماهير ويقدم خدمات تحتاج إلى التطوير باستمرار.
الجماهير أصبحت جزءًا من التطوير
ركزت الاستراتيجية كذلك على تجربة الجماهير الرياضية.
وتظهر أرقام الوزارة ارتفاع الحضور الجماهيري من نحو 1.1 مليون متفرج في موسم 2019-2020 إلى 2.1 مليون متفرج في موسم 2022-2023.
وهذا يعكس تغيرًا في النظرة إلى الجمهور.
فالمشجع ليس مجرد متابع للنتائج، بل جزء من بيئة النادي التي تحتاج إلى التطوير، سواء في المنشآت أو الخدمات أو تجربة الحضور نفسها.
ومع الانتقال نحو الاستثمار تزداد أهمية هذه العلاقة، لأن قدرة النادي على جذب الجمهور والمحافظة عليه ترتبط أيضًا ببناء نشاط أكثر استدامة.
أندية تمارس أكثر من كرة القدم
شملت استراتيجية الدعم أيضًا توسيع الألعاب والرياضات داخل الأندية.
وتشير بيانات وزارة الرياضة إلى ارتفاع عدد الرياضيين من نحو 40 ألف رياضي في موسم 2019-2020 إلى أكثر من 81 ألف رياضي في موسم 2022-2023.
وجاء ذلك بالتزامن مع استحداث رياضات جديدة، وتوسيع المشاركة في الأنشطة والمسابقات المختلفة، ودعم مشاركة المرأة الرياضية.
أي أن تطوير النادي لم يكن قائمًا على الفريق الأول لكرة القدم وحده، بل شمل توسيع النشاط الرياضي الذي يقدمه النادي.
لماذا كانت هذه الخطوات مهمة قبل التخصيص؟
عند جمع هذه التحولات تتضح العلاقة بين استراتيجية دعم الأندية ومشروع الاستثمار والتخصيص.
خلال عدة سنوات ارتفعت الإيرادات، وتوسعت الحوكمة، ونُظمت الالتزامات المالية، وزاد عدد العاملين، وتطورت المنشآت وتجربة الجماهير، وارتفع عدد الرياضيين.
بعد ذلك جاء مشروع الاستثمار والتخصيص لزيادة مشاركة القطاع الخاص ورفع كفاءة الأندية واستدامتها.
ولهذا تصف وزارة الرياضة استراتيجية دعم الأندية بأنها إحدى المبادرات التي مهدت الطريق لمستقبل الاستثمار والتخصيص.
فالمسألة لم تكن البحث عن مستثمر يستطيع شراء حصة في نادٍ فقط، بل جعل الأندية نفسها أكثر جاهزية للعمل وفق نموذج احترافي واستثماري.
من نادي مدعوم إلى كيان قابل للاستثمار
هذا ربما يكون التحول الأوضح في تلك المرحلة.
فالأرقام التي حققتها استراتيجية دعم الأندية لا تعني أن عملية التطوير اكتملت، لكنها توضح الطريق الذي سبق التخصيص.
بين 2019 و2023 ارتفعت الإيرادات، واتسع نطاق الحوكمة، وزاد عدد العاملين والرياضيين والحضور الجماهيري، وتطورت مجموعة من المنشآت.
ثم جاءت مرحلة الاستثمار والتخصيص لتبني على هذه التحولات وتنقل الأندية إلى نموذج جديد في الملكية والإدارة والاستثمار.
لذلك، لفهم تخصيص الأندية السعودية، لا يكفي أن نبدأ من خبر انتقال ملكية نادٍ إلى شركة أو مستثمر.
القصة بدأت قبل ذلك، عندما بدأ العمل على جعل النادي نفسه أكثر تنظيمًا واستدامة وجاهزية للاستثمار.


