
اليوم تنتشر منظومات تحلية المياه على الساحلين الشرقي والغربي للسعودية، وتنتج كميات ضخمة من المياه يوميًا باستخدام تقنيات متعددة. لكن البداية كانت مختلفة تمامًا.
فأولى خطوات التحلية بدأت بوحدة بسيطة لتقطير مياه البحر عُرفت باسم «الكنداسة»، قبل أن تتوسع التجربة تدريجيًا وتظهر محطات جديدة، ثم جهة متخصصة لإدارة التحلية، وصولًا إلى منظومة واسعة تضم اليوم عشرات مرافق الإنتاج التابعة للقطاعين العام والخاص.
فكيف بدأت هذه الرحلة؟ وكيف تحولت تحلية مياه البحر من وحدة واحدة في جدة إلى جزء أساسي من منظومة المياه في السعودية؟

البداية من جدة
بدأت تجربة تحلية مياه البحر في السعودية في مطلع القرن العشرين مع وحدة لتكثيف وتقطير المياه عُرفت باسم «الكنداسة».
كانت الآلة تعمل بالفحم الحجري، وهي من النوع الذي كان يستخدم قديمًا على السفن التجارية والعسكرية لتكثيف المياه المالحة وتقطيرها وتحويلها إلى مياه عذبة.
أما اسم «الكنداسة» فجاء من كلمة لاتينية تعني المكثف.
كانت جدة في حاجة متزايدة إلى المياه مع توافد الحجاج والمعتمرين وارتفاع الاستهلاك، ولذلك لم تتوقف التجربة عند الوحدة الأولى.
آلتان جديدتان لتقطير مياه البحر
في عام 1344هـ/1926م أمر الملك عبدالعزيز باستيراد آلتين كبيرتين لتحلية المياه.
كان الهدف زيادة إمدادات المياه العذبة في جدة ومواجهة الطلب المتزايد، خصوصًا مع حركة الحجاج والمعتمرين عبر المدينة.
هنا بدأت التحلية تنتقل تدريجيًا من تجربة محدودة إلى خيار يُعتمد عليه لتوفير مصدر إضافي للمياه.
لكن إنشاء المحطات وحده لم يكن كافيًا مع توسع الحاجة إلى المياه، فأصبحت هناك حاجة إلى جهة تتولى هذا القطاع وتنظم أعماله.
إنشاء إدارة متخصصة للتحلية
في عام 1384هـ/1965م أُنشئت إدارة عامة لتحلية المياه المالحة، وكانت تتبع في ذلك الوقت وزارة الزراعة والمياه في جدة.
ومع إنشاء الإدارة بدأت مرحلة أكثر تنظيمًا في تطوير مشروعات التحلية.
وبعد سنوات قليلة ظهرت محطات جديدة في مناطق مختلفة من المملكة.
الوجه وضباء ثم جدة والخبر
في عام 1388هـ/1969م أُنشئت محطتا الوجه وضباء لتحلية المياه.
وفي العام التالي أُنشئت محطة في جدة، ثم جاءت محطة الخبر عام 1392هـ/1973م.
هذا التوسع كان مهمًا، لأنه نقل التحلية من الاعتماد على موقع واحد إلى انتشار المحطات على أكثر من ساحل ومنطقة.
ومع زيادة عدد المحطات والحاجة إلى إدارة عمليات الإنتاج والتشغيل، جاءت خطوة تنظيمية أكبر.

تأسيس المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة
في عام 1394هـ/1974م صدر مرسوم ملكي بإنشاء المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، التي أصبحت لاحقًا الهيئة السعودية للمياه.
وكان الهدف إدارة محطات التحلية المنتشرة في المملكة، وتوفير المياه العذبة للسكان، وإنشاء محطات جديدة مع تزايد الحاجة إليها.
ومن هنا دخل قطاع التحلية مرحلة توسع أكبر، وبدأت المنظومات تنتشر على امتداد الساحلين الشرقي والغربي.
من التقطير إلى تقنيات مختلفة
لم يتغير عدد المحطات فقط، بل تغيرت أيضًا الطريقة التي يُفصل بها الملح عن الماء.
فالبداية كانت قائمة على التقطير والتكثيف، ثم دخلت تقنيات أخرى إلى منظومات التحلية السعودية.
ومن أبرزها:
التبخير الوميضي متعدد المراحل، والتبخير بطريقة التأثير متعدد المراحل، والتناضح العكسي.
وكل تقنية تصل إلى النتيجة نفسها بطريقة مختلفة: فصل الأملاح عن مياه البحر للحصول على مياه عذبة صالحة للاستخدام.
ومع مرور الوقت أصبح التناضح العكسي حاضرًا في عدد كبير من المنظومات الحديثة.
ماذا يعني التناضح العكسي ببساطة؟
بعكس تقنيات التقطير التي تعتمد على الحرارة والتبخير والتكثيف، يعمل التناضح العكسي على تمرير المياه المالحة تحت ضغط عبر غشاء يسمح بمرور الماء ويحد من مرور الأملاح.
ولا تحتاج المياه خلال العملية إلى التحول إلى بخار.
وهذه التقنية أصبحت مستخدمة في منظومات عديدة مثل الخفجي وجدة وأجزاء من الخبر والشعيبة وينبع، إضافة إلى وحدات في حقل وضباء والوجه وأملج وغيرها.
منظومات على ساحلين
مع استمرار التوسع، لم تعد التحلية مرتبطة بالمدن الساحلية التي توجد فيها المحطة نفسها فقط.
فالمنظومات الموجودة على الساحلين تخدم مناطق أخرى أيضًا.
فمنظومات رأس الخير تخدم الشرقية والرياض، ومنظومات الجبيل تصل خدماتها إلى الشرقية والرياض والقصيم، بينما تخدم منظومات الشعيبة مكة المكرمة والباحة، وتخدم منظومات الشقيق عسير وجازان.
وهذا يعني أن مياه البحر المحلاة يمكن أن تبدأ رحلتها من الساحل ثم تصل إلى مناطق داخلية بعيدة عنه.
نحو 41 منظومة إنتاج
وصلت شبكة تحلية مياه البحر في السعودية إلى نحو 41 منظومة إنتاج.
وتتوزع إلى:
33 منظومة للقطاع العام، و8 منظومات للقطاع الخاص.
وتختلف هذه المنظومات بشكل كبير في أحجامها وقدراتها الإنتاجية.
فبعض الوحدات تنتج عشرات الآلاف من الأمتار المكعبة يوميًا، بينما تصل طاقة بعض المنظومات الكبيرة إلى مئات الآلاف.
فعلى سبيل المثال، تبلغ السعة التشغيلية لمنظومة الجبيل 2 نحو 950 ألف متر مكعب يوميًا، بينما تصل سعة رأس الخير 1 إلى 740,656 مترًا مكعبًا يوميًا.
الخفجي مثال على الجيل الأحدث
تظهر طريقة تطور القطاع بوضوح عند مقارنة «الكنداسة» بأحد المشروعات الحديثة.
ففي الخفجي تعمل وحدة إنتاج بتقنية التناضح العكسي، وبدأ تشغيلها وإنتاجها عام 2018 بطاقة تبلغ 60 ألف متر مكعب يوميًا.
كما ارتبط مشروع الخفجي باستخدام الطاقة الشمسية في تحلية المياه، ووصلت القدرة الإنتاجية للمشروع إلى 90 ألف متر مكعب من المياه المحلاة يوميًا، مع خفض تكلفة إنتاج المتر المكعب بنسبة 40%.

وهنا يصبح الفرق بين البداية والمرحلة الحديثة واضحًا: من آلة تعمل بالفحم الحجري وتقطر مياه البحر، إلى منظومات تعتمد على الأغشية والطاقة الشمسية وإدارة الإنتاج على نطاق واسع.
لماذا أصبحت التحلية مهمة إلى هذا الحد؟
موارد المياه في السعودية لا تعتمد على مصدر واحد.
فهناك المياه الجوفية المتجددة وغير المتجددة، والمياه السطحية، والمياه المعالجة، إلى جانب المياه المحلاة.
ومع زيادة الطلب على المياه، توسع الاعتماد على التحلية لتصبح جزءًا أساسيًا من منظومة الإمداد بالمياه.
ولهذا لم يكن تطور التحلية مجرد تطور تقني، بل استجابة لحاجة مستمرة إلى توفير المياه العذبة في بلد يعتمد على عدة مصادر لتغطية الطلب.
رحلة بدأت بآلة واحدة
الفرق بين بداية تحلية المياه في السعودية وما وصلت إليه اليوم كبير.
بدأت القصة بوحدة لتقطير مياه البحر في جدة عرفت باسم الكنداسة، ثم استُوردت آلتان جديدتان، وبعد ذلك أُنشئت إدارة متخصصة وظهرت محطات الوجه وضباء وجدة والخبر.
ثم تأسست المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، وتوسعت المنظومات على الساحلين، ودخلت تقنيات أحدث مثل التناضح العكسي والطاقة الشمسية.
واليوم نتحدث عن نحو 41 منظومة إنتاج للقطاعين العام والخاص.
وهكذا انتقلت تحلية المياه في السعودية خلال أكثر من قرن من آلة تقطير محدودة في جدة إلى شبكة واسعة من المنظومات التي تنتج المياه وتوصلها إلى مناطق متعددة من المملكة.
المصادر
سعوديبيديا – تقنيات تحلية المياه في السعودية
قراءة المصدر
سعوديبيديا – المياه في السعودية
قراءة المصدر
سعوديبيديا – قائمة منظومات تحلية المياه في السعودية
قراءة المصدر

