يشرب زوار المسجد الحرام مياه زمزم بسهولة من آلاف الحافظات والمشربيات المنتشرة في أرجائه، لكن وصول الماء من البئر إلى الزائر يمر اليوم بمنظومة مختلفة تمامًا عن الطريقة التي كانت تستخدم قبل عقود.

فالمياه التي كانت تُستخرج بالدلاء أصبحت اليوم تمر عبر المضخات والفلاتر ومحطات التبريد والتعقيم والمختبرات قبل توزيعها.

فكيف تطورت هذه الرحلة؟

البداية من بئر زمزم

تقع بئر زمزم شرق الكعبة المشرفة في صحن المطاف بمحاذاة الملتزم، وتصلها المياه عبر تصدعات صخرية تمتد من تحت الكعبة ومن جهتي الصفا والمروة وتجتمع في البئر.

وعلى مر العصور خضعت البئر لأعمال عمارة وإصلاح متعددة، لكن طريقة استخراج المياه بدأت تتغير مع دخول المضخات والصنابير بدل الدلاء.

عندما كانت المياه تُستخرج بالدلاء

كانت مياه زمزم تُستخرج مباشرة من البئر باستخدام الدلاء.

وفي عهد الملك عبدالعزيز رُكبت مضخة تضخ المياه إلى خزانين علويين من الزنك، ووُصل بكل خزان 12 صنبورًا حول البئر.

كانت تلك من الخطوات المبكرة للانتقال من استخراج الماء يدويًا إلى ضخه وتوزيعه عبر الصنابير.

ثم تغيرت المنطقة المحيطة بالبئر مع توسعة المطاف في عهد الملك سعود. ففي عام 1382هـ/1962م خُفضت فوهة البئر إلى أسفل المطاف داخل قبو بعمق 2.7 متر، وكان الوصول إليه عبر درج ينقسم إلى قسم للرجال وآخر للنساء.

وفي العام التالي انتهى استخدام الدلاء نهائيًا، وأصبحت الصنابير وسيلة الحصول على مياه زمزم.

البئر تختفي من المطاف

استمرت أعمال تطوير البئر والمنطقة المحيطة بها.

وفي عام 1399هـ/1979م نُظفت بئر زمزم باستخدام أحدث الطرق آنذاك وبمشاركة غواصين متمرسين، وأسهمت العملية في زيادة غزارة المياه.

وفي مرحلة لاحقة غُطيت مداخل قبو زمزم للاستفادة من مساحة صحن المطاف وتسهيل حركة الحجاج والمعتمرين، ما أضاف نحو 400 متر مربع إلى مساحة المطاف.

كما نُقلت مشربيات المياه إلى مواقع تحت الأروقة الجديدة، فلم يعد الحصول على مياه زمزم مرتبطًا بالوصول إلى موقع البئر نفسه.

أكثر من 27 ألف حافظة

اليوم تتوزع مياه زمزم في أنحاء المسجد الحرام عبر أكثر من 27 ألف حافظة، ويزداد عددها خلال المواسم.

ويضاف إليها أكثر من 550 مشربية داخل الحرم وفي الساحات المحيطة به، تضم نحو 3 آلاف صنبور، إلى جانب مجمعات خارج المسجد الحرام مخصصة لتعبئة الجوالين.

هذه الشبكة تجعل المياه متاحة في مناطق متعددة من الحرم بدل تجمع الزوار حول موقع واحد.

العاملون في سقيا زمزم بالمسجد الحرام

من البئر إلى التبريد والتوزيع

تضخ بئر زمزم ما بين 11 و18.5 لترًا في الثانية، لكن الماء لا ينتقل من البئر مباشرة إلى الحافظات.

تُضخ المياه في دائرة مغلقة، وتمر عبر فلاتر تحجز الرمال والشوائب، باستخدام مواسير من الفولاذ المقاوم للصدأ.

ثم تأتي مرحلة التبريد. ففي عام 1404هـ/1984م أنشئت محطة لتبريد مياه زمزم مقابل باب الفتح، ومنها توزع المياه إلى الحافظات والمشربيات.

سقيا مياه زمزم في المسجد الحرام

مشروع الملك عبدالله لسقيا زمزم

في عام 1431هـ/2010م دُشن مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لسقيا زمزم في منطقة كدي، ضمن تطوير منظومة التعامل مع المياه وتلبية الطلب المتزايد عليها.

وقدم المشروع خدماته لأكثر من 18 مليون مستفيد منذ إنشائه.

ومن محطات التعبئة في كدي تُنقل مياه زمزم أيضًا إلى المسجد النبوي بواسطة صهاريج مخصصة، لتزويده بالمياه على مدار الساعة.

توزيع مياه زمزم على زوار المسجد الحرام

كيف تُعقم مياه زمزم؟

قبل وصول المياه إلى الزوار تمر بمرحلة التعقيم بالأشعة فوق البنفسجية، دون إضافة مواد كيميائية إلى الماء.

وتصل كفاءة هذه الطريقة في التعقيم من البكتيريا والفيروسات إلى 99.77%، ويمكن لكل كيلوواط من الكهرباء المستخدم تعقيم نحو 12 ألف جالون من المياه.

كما أن هذه الطريقة لا تغير لون مياه زمزم أو طعمها أو رائحتها.

تنظيف وتعقيم حافظات مياه زمزم

مختبر يراقب جودة المياه

تخضع مياه زمزم للمتابعة عبر مختبر مخصص لتحليلها والإشراف على مراحل التعقيم.

ولا يقتصر العمل على فحص المياه، بل يشمل أيضًا متابعة تعبئة الصهاريج التي تنقلها إلى المسجد النبوي.

أما داخل المسجد الحرام، فتشمل أعمال إدارة سقيا زمزم توفير المياه المبردة والعادية، وتنظيف الحافظات والمشربيات، وتوفير الأكواب ومتابعة درجة برودة المياه.

وهكذا تغيرت رحلة مياه زمزم بالكامل خلال عقود. من دلو يُنزل إلى البئر، إلى منظومة للضخ والتنقية والتعقيم والتبريد والفحص والتوزيع تخدم زوار الحرمين على مدار العام.

المصدر