
لم يعد الحديث عن الأندية الرياضية في السعودية مرتبطًا بما يحدث داخل الملعب فقط. خلال السنوات الأخيرة دخل الاستثمار والحوكمة والاستدامة المالية في طريقة إدارة الأندية وتطويرها، ثم جاء مشروع الاستثمار والتخصيص للأندية الرياضية بنموذج مختلف لملكية الأندية وعلاقتها بالقطاع الخاص.
أُطلق المشروع ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030 في القطاع الرياضي. لكن ماذا يعني تخصيص الأندية؟ وهل الفكرة ببساطة هي بيع النادي لمستثمر؟
الصورة التي تقدمها وزارة الرياضة أوسع من ذلك.


الفكرة أكبر من بيع نادٍ
يقوم المشروع على زيادة مشاركة القطاع الخاص في الرياضة، وتحويل الأندية إلى كيانات أكثر قدرة على النمو والاستدامة، مع رفع مستوى الحوكمة الإدارية والمالية وتطوير البنية التحتية والخدمات المقدمة للجماهير.
ومنذ البداية، لم يعتمد المشروع نموذجًا واحدًا يطبق على جميع الأندية، بل قام على مسارين رئيسيين يختلفان في طريقة انتقال الملكية ودخول المستثمر.
بمعنى آخر، التخصيص ليس عملية موحدة تُعرض فيها جميع الأندية للبيع بالطريقة نفسها. المسار يختلف بحسب النادي والجهة المستثمرة والمرحلة التي وصل إليها.
المسار الأول: نقل الأندية إلى شركات وجهات تطويرية
يقوم المسار الأول على دخول شركات كبرى وجهات تطوير تنموية للاستثمار في أندية رياضية وانتقال ملكيتها إليها.
وظهر هذا النموذج منذ المرحلة الأولى للمشروع.
فقد انتقلت ملكية نادي القادسية إلى أرامكو السعودية، ونادي الدرعية إلى هيئة تطوير بوابة الدرعية، ونادي العلا إلى الهيئة الملكية لمحافظة العلا، ونادي الصقور إلى شركة نيوم.
وفي الوقت نفسه، دخل صندوق الاستثمارات العامة في أربعة من أكبر الأندية السعودية: الهلال والنصر والاتحاد والأهلي، بعد تحويلها إلى شركات مع وجود مؤسسة غير ربحية لكل نادٍ.
إذن، لم تبدأ عملية التخصيص بطرح جميع الأندية في منافسات مفتوحة للمستثمرين، بل انتقلت ملكية عدد منها إلى شركات وجهات محددة ضمن المسار الأول.
المسار الثاني: طرح الأندية أمام المستثمرين
المسار الثاني مختلف.
فبدل انتقال النادي مباشرة إلى جهة معينة، يتم طرحه للتخصيص أمام المستثمرين المحليين والدوليين بالتعاون بين وزارة الرياضة والمركز الوطني للتخصيص.
وفي يوليو 2024 بدأت مرحلة جديدة بعد موافقة مجلس الوزراء على وثيقة مشروع تخصيص 14 ناديًا رياضيًا.
بدأ الطرح بستة أندية:
الزلفي، النهضة، الأخدود، الأنصار، العروبة، الخلود.
وتضمنت الخطة استكمال طرح ثمانية أندية أخرى:
الشعلة، هجر، النجمة، الرياض، الروضة، جدة، الترجي، الساحل.
ومع استمرار المشروع ظهرت مراحل وأندية أخرى ضمن الطروحات والاستثمارات، ما يوضح أن التخصيص عملية ممتدة وليست دفعة واحدة.
كيف يستطيع المستثمر الدخول؟
الإعلانات اللاحقة للمشروع توضح أن انتقال الملكية يسبقه عدد من الإجراءات للتأكد من جدية المستثمر وقدرته.
تبدأ بعض الطروحات بمرحلة إبداء الرغبة وطلب التأهيل، كما حدث عند فتح هذه المرحلة للاستحواذ على ناديي النجمة والأخدود.
بعدها تخضع الجهات المتقدمة للتأهيل، ثم تنتقل العملية إلى مراحل العروض والتقييم والتفاوض وفق متطلبات الطرح.
لذلك فإن اهتمام شركة أو مستثمر بنادٍ معين لا يعني انتقال ملكيته مباشرة.
فالوزارة أوضحت أن جاهزية النادي نفسه، إلى جانب جدية المستثمر وجاهزيته، تدخل ضمن عملية التخصيص.
أي أن النادي لا ينتقل ببساطة إلى أعلى عرض، بل تمر العملية بإجراءات وشروط قبل نقل الملكية.
ماذا يريد المشروع أن يحقق؟
حددت وزارة الرياضة ثلاثة أهداف استراتيجية رئيسية للمشروع.
الأول هو إيجاد فرص نوعية وبيئة جاذبة للاستثمار في القطاع الرياضي بما يساعد على بناء اقتصاد رياضي مستدام.
والثاني رفع مستوى الاحترافية والحوكمة الإدارية والمالية داخل الأندية.
أما الثالث فهو رفع مستوى الأندية وتطوير بنيتها التحتية وتحسين الخدمات المقدمة للجماهير.
فالاستثمار الخاص هنا ليس هدفًا منفصلًا عن تطوير النادي، بل يفترض أن يقود تغير نموذج الملكية والاستثمار إلى رفع كفاءة النادي ماليًا وإداريًا ورياضيًا.
أهداف تتجاوز ملكية الأندية
للمشروع أيضًا مستهدفات مرتبطة بتطوير كرة القدم السعودية.
من بينها الوصول بالدوري السعودي إلى قائمة أفضل 10 دوريات في العالم، ورفع إيرادات رابطة الدوري السعودي للمحترفين من 450 مليون ريال إلى أكثر من 1.8 مليار ريال سنويًا.
كما يستهدف رفع القيمة السوقية للدوري السعودي للمحترفين من 3 مليارات ريال إلى أكثر من 8 مليارات ريال.
وهذه الأرقام توضح أن المشروع أكبر من مجرد انتقال ملكية مجموعة من الأندية. المقصود تغيير أوسع في حجم الاستثمار والاحتراف والاستدامة داخل القطاع الرياضي.
التخصيص لم يبدأ من الصفر
قبل إطلاق المشروع كانت هناك خطوات سبقت مرحلة نقل الملكية.
فقد عملت استراتيجية دعم الأندية الرياضية على ملفات مثل الحوكمة والكفاءة المالية والإدارية وزيادة الإيرادات وتطوير العمل داخل الأندية.
وتشير أرقام وزارة الرياضة إلى ارتفاع إيرادات الأندية من 88 مليون ريال في موسم 2019-2020 إلى 328 مليون ريال في موسم 2022-2023.
كما ارتفع عدد الأندية المستفيدة من حوافز الحوكمة المالية والإدارية من 16 ناديًا إلى 61 ناديًا، وتجاوز عدد الرياضيين 81 ألف رياضي بعدما كان يقارب 40 ألفًا.
وهذا يوضح أن التخصيص جاء بعد سنوات من العمل على تجهيز البيئة الرياضية ورفع قدرات الأندية إداريًا وماليًا.
المشروع يتوسع مرحلة بعد أخرى
لم يتوقف المشروع عند الأندية التي دخلت المرحلة الأولى.
في مراحل لاحقة انتقلت ملكية أندية مثل الزلفي والخلود والأنصار إلى مستثمرين، واستمرت عمليات التأهيل والتفاوض في أندية أخرى.
وفي يونيو 2026 أعلنت وزارة الرياضة طرح الرياض وأبها والفتح والطائي والشعلة أمام الجهات الاستثمارية، في وقت تجاوز فيه عدد الاهتمامات الاستثمارية المسجلة 80 اهتمامًا شملت 22 ناديًا.
كما عقدت الوزارة لقاءً ضم مستثمرين محليين ودوليين لتعريفهم بمسارات الاستثمار والتخصيص والفرص المتاحة في الأندية السعودية.
وهكذا انتقل المشروع من إطلاق نموذج جديد للملكية إلى محاولة بناء سوق استثماري أوسع حول الأندية.
وماذا يحدث بعد انتقال الملكية؟
الأحداث التي شهدها عام 2026 أظهرت مرحلة أخرى من المشروع.
ففي أغسطس بدأت إجراءات نقل نسبة 25% التي كانت تملكها المؤسسات غير الربحية في شركات الهلال والنصر والاتحاد والأهلي إلى صندوق الاستثمارات العامة، ضمن استكمال التحول إلى نموذج ملكية يعزز الجاذبية الاستثمارية والحوكمة والاستدامة.
وبعد ذلك أتمت شركة المملكة القابضة استحواذها على 70% من شركة نادي الهلال مقابل 840 مليون ريال، لتصبح المالك الأكبر للشركة.
وبحسب اقتصاد الشرق، مثلت الصفقة أول عملية تخارج لصندوق الاستثمارات العامة من استثماراته في الأندية السعودية الكبرى.
وهذه المرحلة تكشف جانبًا مهمًا من التخصيص: الملكية التي بدأت مع المشروع ليست بالضرورة الصورة النهائية، بل قد تكون مرحلة تمهد لدخول مستثمرين من القطاع الخاص.
إذا، ما مشروع تخصيص الأندية؟
باختصار، تعمل السعودية على تغيير نموذج ملكية وتشغيل الأندية الرياضية عبر أكثر من مسار، مع زيادة مشاركة القطاع الخاص وتحويل الأندية إلى كيانات أكثر احترافية واستدامة.
بعض الأندية انتقلت إلى شركات وجهات تطويرية، وأخرى طُرحت أمام المستثمرين، وبعضها مر بمراحل التأهيل والتفاوض قبل انتقال الملكية.
لكن الفكرة لا تتوقف عند تغيير اسم المالك.
الهدف هو بناء أندية أكثر كفاءة ماليًا وإداريًا، وتحسين الحوكمة والبنية التحتية وتجربة الجماهير، وجذب استثمارات جديدة إلى القطاع الرياضي.
لذلك فإن تخصيص الأندية ليس صفقة واحدة تنتهي بمجرد انتقال الملكية، بل عملية تبدأ من تجهيز النادي وتأهيل المستثمر وتمتد إلى تطوير نموذج العمل والاستثمار فيه على المدى الطويل.


